قالت صحيفة "ذا ريبورتر إثيوبيا" إنه على مدار معظم القرن العشرين، لم يقتصر نفوذ مصر الإقليمي على قوتها العسكرية أو ثقلها الديموغرافي فحسب، بل استند أيضًا إلى البنية الأيديولوجية للقومية العربية. 

 

ففي عهد جمال عبد الناصر، حوّلت مصر القومية العربية إلى أداة جيوسياسية قادرة على حشد الجماهير، وتشكيل التحالفات الإقليمية، وإضفاء الشرعية على القيادة المصرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقد منحت القومية العربية مصر عمقًا استراتيجيًا امتد إلى ما وراء حدودها، ليشمل نفوذًا في القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.

 

لكن الصحيفة أوضحت أن الشرق الأوسط المعاصر يختلف اختلافًا جوهريًا عن الشرق الأوسط الذي هيمنت عليه مصر في الماضي. فتراجع القومية العربية لم يُضعف السلطة الأيديولوجية لمصر فحسب، بل سرّع أيضًا من تآكل النظام الإقليمي الأوسع الذي اعتمدت عليه النفوذ الاستراتيجي المصري.

 

تداعيات خطيرة على القرن الأفريقي

 

وأشارت إلى أن تآكل هذا النظام يحمل تداعيات خطيرة على القرن الأفريقي، لا سيما فيما يتعلق بظهور إثيوبيا كفاعل إقليمي أكثر استقلالية. ولذلك، فإن الصراع المصري المعاصر لا يقتصر على النيل أو سد النهضة الإثيوبي، بل يعكس زوال البيئة الجيوسياسية التي مكّنت مصر تاريخيًا من بسط نفوذها عبر التضامن العربي الجماعي.

 

وبرزت القومية العربية في منتصف القرن العشرين كأيديولوجية مناهضة للاستعمار ومشروع سياسي يهدف إلى توحيد المجتمعات العربية في مواجهة الهيمنة الغربية. وأصبحت مصر مركزها بعد ثورة 1952 بقيادة جمال عبدالناصر. ومن خلال البث الإذاعي، والنشاط الدبلوماسي، والتدخلات العسكرية، والإنتاج الثقافي، رسّخت مصر مكانتها كقائدة طبيعية للعالم العربي.

 

وعززت أزمة السويس عام 1956 مكانة عبدالناصر الرمزية في جميع أنحاء المنطقة. وقد رفعت مقاومة مصر ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل القومية العربية إلى قوة سياسية جماهيرية تجاوزت حدود الدول.

 

وبحسب التقرير، فإنه خلال الحرب الباردة، استغلت مصر هذا النفوذ الأيديولوجي لتشكيل السياسة الإقليمية، ودعم حركات التحرر الوطني، والتنافس استراتيجيًا مع القوى الإقليمية المنافسة. ومن المهم أن القومية العربية أصبحت أيضًا آليةً مكّنت مصر من التقرب من القرن الأفريقي. 

 

وقد حرصت مصر بشكل متزايد على ربط سياسات النيل بخطاب أمني عربي أوسع. وغالبًا ما صُوِّرت إثيوبيا، لا سيما في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي الأول، في الأوساط السياسية المصرية والعربية الأوسع، على أنها منافس استراتيجي غير عربي يسيطر على منابع النيل. وقد مكّن هذا التصور مصر من حشد الدعم السياسي بين الدول العربية فيما يتعلق بأمن مياه النيل.

 

وفي أوج قوتها، رأت الصحيفة أن القومية العربية منحت مصر ثلاث مزايا استراتيجية رئيسة. أولاً، منحت القيادة المصرية شرعية تتجاوز القدرات المادية. ثانيًا، خلقت تماسكًا أيديولوجيًا بين النخب العربية. ثالثًا، مكّنت القاهرة من تحويل القضايا الإقليمية إلى هموم عربية جماعية. 

 

مع ذلك، قالت إن أسس هذا النظام الإقليمي بدأت بالتآكل قبل فترة طويلة من حقبة ما بعد الحرب الباردة. وتسارع هذا التراجع بعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، التي مزقت الوحدة السياسية العربية وقوّضت شرعية القاهرة الثورية. 

 

تراجع المصداقية الأيديولوجية للقومية العربية

 

وعلى الرغم من أن مصر استعادت في نهاية المطاف مكانتها الدبلوماسية داخل جامعة الدول العربية، إلا أن المصداقية الأيديولوجية للقومية العربية كانت قد تراجعت بالفعل.

 

وأدى انتهاء الحرب الباردة إلى تحول جذري في الديناميكيات الإقليمية. فقد تبنت الدول العربية بشكل متزايد سياسات أمنية تركز على الدولة بدلاً من المشاريع الأيديولوجية الجماعية. 

 

وكشفت حرب الخليج عام 1991 عن انقسامات عربية عميقة، حيث تحالفت عدة حكومات عربية مع الولايات المتحدة ضد العراق، الذي كان يُعتبر مركزًا للقومية العربية. 

 

ووجه الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ضربة قاصمة. فقد كان العراق يمثل أحد آخر المراكز الجمهورية الرئيسية للخطاب السياسي القومي العربي. وقد أدى انهياره إلى تفتيت موازين القوى الإقليمية، وتفاقم التنافسات الطائفية والجيوسياسية، لا سيما بين السعودية وإيران، كما يرصد التقرير.

 

وأدت انتفاضات الربيع العربي عام 2011 إلى تسريع هذا التشرذم بشكل كبير. فبدلاً من أن تُفضي إلى وحدة سياسية عربية، كشفت هذه الانتفاضات عن غياب رؤية استراتيجية عربية مشتركة. 

 

وأصبحت الدول تُعطي الأولوية بشكل متزايد لبقاء الأنظمة والأمن الداخلي والاستقرار الاقتصادي على حساب التضامن الأيديولوجي. ونتيجة لذلك، باتت السياسة الإقليمية بعد الربيع العربي تُحددها المنافسة السياسية أكثر من التنسيق العربي الجماعي.

 

أدى هذا التشرذم إلى تغيير جذري في مكانة مصر الإقليمية. حافظت القاهرة على أهميتها الرمزية، لكنها فقدت احتكارها للقيادة السياسية العربية. وبرزت ممالك الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، كمراكز مالية وجيوسياسية رئيسية في العالم العربي. ووسعت قطر نفوذها الدبلوماسي عبر وسائل الإعلام وشبكات الوساطة، بينما تزايد دور تركيا وإيران في تشكيل الصراعات الإقليمية من ليبيا إلى سوريا. ونتيجة لذلك، توقف العالم العربي عن العمل ككتلة جيوسياسية متماسكة.

 

بدلاً من أن تحل محلها أيديولوجية موحدة جديدة، تراجعت القومية العربية إلى حد كبير لصالح جيوسياسة نفعية تتمحور حول أمن النظام، والتنويع الاقتصادي، واستثمار الثروات السيادية، والتنافس الاستراتيجي. وتُشكل مبادرات مثل رؤية السعودية 2030، واستراتيجية الإمارات العالمية للخدمات اللوجستية، ودبلوماسية الاستثمار الخليجية، التفاعلات الإقليمية بشكل متزايد أكثر من الدعوات إلى الوحدة العربية. 

 

وقالت الصحيفة، إنه لهذا التحول آثار عميقة على منطقة القرن الأفريقي، حيث باتت الدول تُنظر إليها اليوم بشكل أقل من منظور أيديولوجي، وأكثر من منظور قيمتها الاقتصادية والبحرية والجيوستراتيجية.

 

الحفاظ على النفوذ المصري

 

وأضافت: "تعكس السياسة الخارجية المصرية المعاصرة بشكل متزايد محاولة الحفاظ على النفوذ في هذا المناخ الإقليمي المتشرذم. ومع ذلك، تواجه مصر قيودًا هيكلية. فالصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها، واعتمادها على المساعدات المالية الخليجية، وتزايد مواطن الضعف الداخلية، كلها عوامل تحد من قدرتها على التأثير بشكل مستقل في السياسة الإقليمية".

 

وأشارت إلى أن تجدد الدعوات إلى إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة يُجسّد هذه المعضلة. ففي مارس 2026، جدد وزير الخارجية بدر عبدالعاطي اقتراح (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي السابق بإنشاء إطار عسكري عربي موحد. وقدّمت مصر الاقتراح باعتباره ضروريًا للحفاظ على "الأمن القومي العربي" في ظل تزايد عدم الاستقرار الإقليمي.

 

إلا أن هذه المبادرة كشفت على الفور عن غياب التوافق الاستراتيجي داخل العالم العربي. فلا تزال الحكومات العربية منقسمة بشدة بشأن التهديدات الرئيسية التي تواجه المنطقة. فبعض دول الخليج تنظر إلى إيران باعتبارها الخصم الرئيي، بينما تولي دول أخرى اهتمامًا متزايدًا للقضية الفلسطينية والعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. وقد طبعت عدة دول عربية علاقاتها مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام، في حين لا تزال دول أخرى تعارض التطبيع بسبب ضغوط سياسية داخلية واعتبارات أيديولوجية.

 

ولا تزال الخلافات قائمة حول هياكل القيادة العسكرية، والمهام العملياتية، وتقاسم الأعباء، والعلاقات مع قوى خارجية كالولايات المتحدة. ونتيجةً لذلك، خلصت الصحيفة إلى اعتبار المقترح المصري يبدو أقرب إلى محاولة لإحياء إطار إقليمي عفا عليه الزمن منه إلى بناء بنية أمنية عربية موحدة. فالقومية العربية لم تعد توفر التماسك السياسي اللازم للقيادة الإقليمية المصرية.

 

وأوضحت أن انهيار التماسك الأيديولوجي العربي له تداعيات خطيرة على القرن الأفريقي. فعلى مدى عقود، اعتمدت مصر على الدعم الدبلوماسي العربي لتعزيز موقفها فيما يتعلق بالنيل والأمن الإقليمي.

 

تحقيق مصالح اقتصادية وجيوسياسية براجماتية

 

لكن اليوم، تسعى الدول العربية بشكل متزايد إلى تحقيق مصالح اقتصادية وجيوسياسية براجماتية بدلاً من التوافق الأيديولوجي مع القاهرة.

 

يتجلى هذا التحول أيضًا في السياسات المحيطة بحوض النيل. تاريخيًا، غالبًا ما كانت مصر تُصوّر أمن مياه النيل كقضية استراتيجية عربية أوسع، ساعيةً إلى الحصول على دعم دبلوماسي من الشركاء العرب. إلا أن الانخراط الخليجي المعاصر يعكس بشكل متزايد براغماتية اقتصادية بدلاً من التوافق التلقائي مع توجهات القاهرة في مجال المياه. وتشير الاستثمارات في البنية التحتية والزراعة والخدمات اللوجستية والطاقة في إثيوبيا إلى أن العديد من الفاعلين الإقليميين لا ينظرون إلى إثيوبيا من منظور سياسات النيل فحسب، بل كشريك اقتصادي واستراتيجي صاعد بحد ذاته.

 

ويتجلى هذا التحول بوضوح في تعامل دول الخليج مع إثيوبيا. فعلى الرغم من مخاوف مصر بشأن سد النهضة، وسّعت دول الخليج استثماراتها في قطاعات الزراعة والخدمات اللوجستية والاتصالات والبنية التحتية الإثيوبية. وتنظر الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بشكل متزايد إلى منطقة القرن الأفريقي من منظور طرق التجارة والأمن الغذائي والمنافسة على البحر الأحمر، بدلاً من التركيز حصرًا على الأولويات الاستراتيجية المصرية.

 

وأدى تنامي دور الجهات الفاعلة غير العربية إلى إضعاف نفوذ مصر التقليدي. وقد وسّعت تركيا وجودها بشكل ملحوظ في الصومال والسودان. وأصبحت الصين فاعلاً اقتصاديًا رئيسًا من خلال استثماراتها في البنية التحتية ومبادرة الحزام والطريق. كما تتنافس روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشكل متزايد على النفوذ في منطقة البحر الأحمر.

 

واعتبرت الصحيفة أن هذه التفاعلات تعكس نظامًا إقليميًا متعدد الأقطاب، لم يعد بإمكان مصر فيه احتكار السياسة العربية تجاه القرن الأفريقي. والنتيجة الأوسع نطاقًا هي أن القرن لم يعد ساحة هامشية تتشكل في المقام الأول بفعل التنافسات الشرق أوسطية.

 

بدلاً من ذلك، يبرز القرن الأفريقي بشكل متزايد كمفترق طرق جيوسياسي تتنافس فيه دول الخليج والقوى العالمية والجهات الفاعلة الإقليمية على الطرق البحرية وممرات الخدمات اللوجستية والبنية التحتية للطاقة والأمن الغذائي والنفوذ الاستراتيجي. وبينما يمنح هذا التحول دول القرن الأفريقي مرونة دبلوماسية أكبر وفرصاً اقتصادية جديدة، فإنه يعرضها أيضاً لمنافسة خارجية محتدمة وضغوط جيوسياسية، فضلاً عن خطر تحولها إلى ساحات لصراعات بالوكالة.

 

وقالت الصحيفة إن إثيوبيا استفادت من هذا المناخ المتغير. إذ تتجه أديس أبابا بشكل متزايد إلى الانخراط مع دول الشرق الأوسط عبر الدبلوماسية الاقتصادية الثنائية بدلاً من المواجهة الأيديولوجية، وقد أدى تنويع شراكاتها إلى الحد من قدرة مصر على عزل إثيوبيا دبلوماسيًا. علاوة على ذلك، فإن تشرذم العالم العربي يحد من إمكانية ممارسة ضغط جماعي منسق ضد إثيوبيا على غرار ما كان سائدًا في فترات تاريخية سابقة.

 

في الوقت ذاته، أكدت أنه ينبغي على إثيوبيا أن تتنقل في مشهد استراتيجي أكثر تعقيداً حيث قد تسعى الجهات الفاعلة الخارجية المتنافسة إلى التأثير على التطورات المحلية والإقليمية، مما يتطلب دبلوماسية دقيقة للحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي.

 

الاستقرار الداخلي.لإثيوبيا

 

مع ذلك، رأت أن قدرة إثيوبيا على الاستفادة من هذا المناخ الجيوسياسي المتغير تعتمد إلى حد كبير على استقرارها الداخلي. فبينما أصبحت التحالفات الخارجية أكثر ملاءمة، لا تزال إثيوبيا تواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية داخلية. وتُظهر الصراعات في تيغراي وأمهرة وأوروميا، على سبيل المثال، أن النفوذ الإقليمي يعتمد في نهاية المطاف على قدرة الدولة الداخلية. تاريخيًا، كانت الدول التي نجحت في بسط نفوذها خارج حدودها تعمل أولًا على ترسيخ الاستقرار السياسي في الداخل.

 

ويتزامن تراجع القومية العربية مع بروز البحر الأحمر كأحد أكثر الممرات الجيوسياسية تنازعًا في العالم. ونتيجةً لذلك، ظهرت رؤى متنافسة لإدارة البحر الأحمر. فبينما يدعو بعض الفاعلين إلى ترتيبات أمنية تقتصر على الدول المطلة عليه، يفضل آخرون أطرًا أكثر شمولًا تعترف بالمصالح المشروعة للجهات غير المطلة على البحر، والتي ترتبط مصالحها الاقتصادية والأمنية ارتباطًا وثيقًا بهذا الممر البحري. وتعكس هذه النقاشات بشكل متزايد التنافس الجيوسياسي بدلًا من التضامن الأيديولوجي، مما يُبرز التحول من حقبة القومية العربية إلى نظام متشرذم متعدد الأقطاب.

 

تُشكّل الأهمية الجيوسياسية المتزايدة للبحر الأحمر مخاطر جديدة لإثيوبيا. فبينما أضعف تراجع القومية العربية قدرة مصر التقليدية على حشد الضغط العربي الجماعي، أدى ظهور بيئة أمنية شديدة التنافس في البحر الأحمر إلى خلق قنوات بديلة تستطيع من خلالها القوى الخارجية التأثير في الشؤون الإقليمية. 

 

وقد حوّل التوسع العسكري والاقتصادي والدبلوماسي لدول الخليج وتركيا وإسرائيل والصين والولايات المتحدة وروسيا منطقة القرن الأفريقي بشكل متزايد إلى ساحة تنافس استراتيجي بدلاً من كونها منطقة صنع قرار إقليمي مستقل. وينبع هذا الاهتمام المتزايد من قرب المنطقة من مضيق باب المندب، ودورها المحوري في سلاسل التوريد العالمية، وأهميتها المتنامية كممر بحري يربط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.

 

وبالتالي، تواجه إثيوبيا تحدي تحقيق التوازن بين الشراكات الخارجية المتعددة مع تجنب الاعتماد المفرط على أي جهة فاعلة واحدة.

 

دور مصر الأمني في البحر الأحمر

 

ومع ذلك، تواصل مصر مساعيها لترسيخ مكانتها كفاعل أمني محوري في البحر الأحمر. ويعكس تنامي انخراط مصر مع إريتريا جهود القاهرة الأوسع نطاقًا للتكيف مع بيئة إقليمية متشرذمة من خلال شراكات أمنية ثنائية وتوازنات جيوسياسية بدلاً من التعبئة الأيديولوجية. وقد عززت مصر علاقاتها مع إريتريا، وأكدت مرارًا وتكرارًا على ضرورة بقاء أمن البحر الأحمر تحت سلطة الدول المطلة عليه.

 

إلا أن إثيوبيا رفضت هذا الموقف. فقد أكد المسؤولون الإثيوبيون باستمرار أن بلادهم ستواصل السعي للحصول على منفذ بحري عبر وسائل "سلمية ومستدامة"، بحجة أن بقاء إثيوبيا حبيسة لليابسة بشكل دائم أمر غير مقبول استراتيجيًا.

 

على عكس ما كان عليه الحال في عهد جمال عبد الناصر، رأت الصحيفة أنه لم تعد مصر تتمتع بسلطة أيديولوجية مطلقة على السياسة الإقليمية. بل باتت تتنافس ضمن بيئة استراتيجية مزدحمة تضم قوى الخليج وتركيا وإسرائيل وإيران والصين وفاعلين غربيين. ويعكس هذا التحول اتجاهًا عالميًا أوسع نطاقًا، حيث تحلّ التحالفات القائمة على المصالح والمعاملات محلّ الأنظمة الإقليمية التي تحركها الأيديولوجيا.

 

لذا، فإن المعضلة الإقليمية المعاصرة لمصر ذات أبعاد تاريخية وجيوسياسية. فما زالت القاهرة تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر نظام قومي عربي آخذ في التلاشي، لم يعد يوحد العالم العربي. ومع تحول الدول العربية نحو تحالفات براجماتية ومجزأة، يتراجع نفوذ مصر الإقليمي التقليدي، مما يفسح المجال أمام إثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي الأوسع نطاقاً، ويعزز استقلاليتها الاستراتيجية.

 

علاوة على ذلك، لا ينبغي تفسير التحديات المعاصرة التي تواجهها مصر على أنها مؤشر على تراجع لا رجعة فيه. فعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية، لا تزال مصر إحدى أكبر القوى العسكرية في أفريقيا، وتسيطر على قناة السويس، وتحافظ على شبكات دبلوماسية واسعة، وتستمر في احتلال موقع محوري في المؤسسات العربية والأفريقية. وستظل قدرة القاهرة على التكيف مع النظام الإقليمي الناشئ عاملاً مهمًا في تشكيل موازين القوى المستقبلية في كل من الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

 

بالنسبة لإثيوبيا، خلصت الصحيفة إلى أن المناخ الإقليمي المتغير يُمثل فرصًا وتحديات في آنٍ واحد. ينبغي التعامل بحذر مع تراجع التماسك الأيديولوجي العربي، وعدم تفسيره على أنه انتصار استراتيجي. بدلًا من ذلك، ينبغي لإثيوبيا انتهاج سياسة خارجية متوازنة تركز على الدبلوماسية الاقتصادية، والتكامل الإقليمي، وخفض حدة النزاعات، والانخراط البنّاء مع الفاعلين العرب وغير العرب. وسيكون تعزيز العلاقات مع دول الخليج، ومواصلة الحوار مع مصر بشأن النيل، وتعميق التعاون مع أصحاب المصلحة في البحر الأحمر، ودفع عجلة الإصلاحات الاقتصادية الداخلية، أمورًا أساسية لتحويل الفرص الجيوسياسية إلى نفوذ دائم.

https://www.thereporterethiopia.com/51254/